كلمة السيد عبد العزيز الجناتي
24 يوليو 2026كلمة السيد عبد العزيز الجناتي
المنسق الوطني للائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة (AMCDD)
اللقاء الجهوي الرابع حول السيادة الطاقية والطاقات المتجددة اللامركزية والمواطنة
جهة الدار البيضاء–سطات
السيد الكاتب العام لقطاع التنمية المستدامة بوزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة،
السيدات والسادة ممثلو مجلس جهة الدار البيضاء–سطات،
السيد المدير العام لمبادرة IMAL،
السيدات والسادة المنتخبون،
السيدات والسادة ممثلو الإدارات العمومية والمؤسسات الوطنية،
السيدات والسادة ممثلو القطاع الخاص والجامعات ومراكز البحث،
السيدات والسادة ممثلو المجتمع المدني،
حضرات السيدات والسادة،
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
يشرفني، باسم الائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة، أن أرحب بكم في هذا اللقاء الجهوي الرابع، الذي يندرج ضمن سلسلة اللقاءات الوطنية التي أطلقها الائتلاف بشراكة مع مبادرة IMAL، تحت شعار:
"نحو السيادة الطاقية بالمغرب: تسريع الخروج التدريجي من الطاقات الأحفورية نحو منظومة طاقية متجددة، لامركزية ومواطنة."
إن اجتماعنا اليوم لا يتعلق فقط بقطاع الطاقة، ولا يقتصر على مناقشة خيارات تقنية أو بيئية، بل يتعلق بأحد أكبر الأسئلة التي ستحدد مستقبل المغرب خلال العقود المقبلة:
كيف نجعل الانتقال الطاقي رافعة حقيقية للسيادة الوطنية والتنمية الاقتصادية وتحسين جودة حياة المواطنات والمواطنين؟
لقد أصبح العالم يعيش تحولات عميقة وغير مسبوقة.
فمنذ سنوات قليلة فقط، كان النقاش العالمي يدور حول الحد من الانبعاثات، أما اليوم فقد أصبحت الطاقة عنواناً للأمن القومي، والسيادة الاقتصادية، والتنافسية الصناعية، والاستقلال الاستراتيجي.
ولم تعد الدول تتنافس فقط على إنتاج الكهرباء، بل تتنافس على امتلاك التكنولوجيا، واستقطاب الاستثمارات، والتحكم في سلاسل القيمة، وخلق فرص الشغل الخضراء.
وفي هذا السياق، يحق لنا أن نفتخر بأن المغرب كان من أوائل الدول التي تبنت رؤية استباقية في مجال الانتقال الطاقي، بفضل الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، التي جعلت من الطاقات المتجددة ركيزة أساسية للنموذج التنموي للمملكة.
وقد حقق المغرب بالفعل إنجازات مهمة، وأصبح مرجعاً قارياً في إنجاز المشاريع الكبرى للطاقة الشمسية والريحية.
لكن، ومن موقع المجتمع المدني المسؤول، فإن من واجبنا أيضاً أن نطرح السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بكل موضوعية:
هل أصبح أثر هذه الإنجازات محسوساً بالقدر الكافي في حياة المواطن المغربي؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
لأن نجاح الانتقال الطاقي لا يقاس فقط بعدد المحطات التي نبنيها، ولا بحجم الاستثمارات التي نستقطبها، ولا بنسبة القدرة الكهربائية المركبة من الطاقات المتجددة.
بل يقاس أيضاً بمدى انخفاض فاتورة الطاقة على الأسر، وبقدرة المقاولات على إنتاج كهربائها، وبعدد فرص الشغل التي نخلقها، وبمستوى استقلالنا عن الأسواق الخارجية، وبالأثر الذي ينعكس على التنمية المحلية والعدالة المجالية.
إن المجتمع المدني لا يطرح هذا السؤال من باب الانتقاد، وإنما من باب الحرص على أن تتحول الاستراتيجيات الوطنية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
لقد تابعنا باهتمام كبير ما جاء في التقرير السنوي الذي رفعه السيد عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، عندما أكد أن تسريع الانتقال الطاقي من شأنه أن يقلص تبعية المغرب للخارج.
ونحن نعتبر أن هذه الرسالة ذات دلالة عميقة.
فهي تعني أن الانتقال الطاقي لم يعد قضية بيئية فقط، بل أصبح قضية اقتصادية ومالية وسيادية بامتياز.
وهي أيضاً تأكيد على أن ما ظل الائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة يدعو إليه منذ سنوات أصبح اليوم يحظى بإجماع متزايد داخل المؤسسات الوطنية.
غير أن الاعتراف بأهمية الانتقال الطاقي لا يكفي.
فالمرحلة التي نعيشها تتطلب الانتقال من منطق الرؤية إلى منطق التنفيذ، ومن الإعلان عن الاستراتيجيات إلى قياس أثرها، ومن المشاريع الكبرى إلى تعميم الاستفادة.
لقد آن الأوان لأن يصبح المواطن شريكاً في إنتاج الطاقة، لا مجرد مستهلك لها.
وأن تصبح الجماعات الترابية فاعلاً أساسياً في الانتقال الطاقي، لا مجرد مجال لتنفيذ المشاريع.
وأن تتحول الجامعات ومراكز البحث إلى مختبرات للابتكار في حلول الطاقة.
وأن تصبح المقاولة المغربية مستفيدة من الاقتصاد الأخضر، لا متفرجة على تحولاته.
إننا، في الائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة، لا ننظر إلى المجتمع المدني باعتباره قوة احتجاج، بل باعتباره قوة اقتراح.
ولا نعتبر أن دورنا هو انتقاد السياسات العمومية فقط، بل المساهمة في تطويرها، وتقييمها، وإغنائها، وتعبئة مختلف الفاعلين حولها.
ومن هذا المنطلق أطلقنا دينامية PACTE Énergie Maroc، ليس باعتبارها مشروعاً موازياً، بل باعتبارها منصة وطنية للحوار والترافع وإنتاج المعرفة وتقريب وجهات النظر بين المؤسسات، والجماعات الترابية، والقطاع الخاص، والجامعات، والمجتمع المدني.
إن ما نطمح إليه من خلال هذه اللقاءات الجهوية ليس إصدار بيانات جديدة، وإنما بناء توافق وطني حول كيفية تسريع الانتقال الطاقي.
لكننا نعتقد أيضاً أن المرحلة المقبلة تستدعي نقلة نوعية في الحكامة.
فالمغرب لا يحتاج اليوم إلى استراتيجيات إضافية بقدر ما يحتاج إلى تنفيذ أكثر سرعة، وأكثر تنسيقاً، وأكثر قابلية للقياس.
ولهذا، فإننا ندعو إلى الانتقال نحو جيل جديد من حكامة الانتقال الطاقي، يقوم على النتائج وليس فقط على النوايا.
حكامة تحدد أهدافاً وطنية وجهوية واضحة.
وتضع مؤشرات دقيقة لقياس الأداء.
وتنشر تقارير دورية حول مستوى الإنجاز.
وتتيح للمواطن وللباحث وللمنتخب الاطلاع على المعطيات وتقييم السياسات.
لأن ما لا يقاس، لا يمكن تحسينه.
ومن هنا، فإن الائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة يدعو إلى إطلاق ميثاق وطني للسيادة الطاقية، باعتباره إطاراً جامعاً يترجم الطموحات الوطنية إلى التزامات عملية، ويحدد أدوار مختلف الفاعلين، ويربط التنفيذ بمؤشرات قابلة للتقييم.
كما ندعو إلى اعتماد منظومة وطنية لقياس أثر الانتقال الطاقي، لا تقتصر على المؤشرات التقنية، وإنما تشمل مؤشرات اقتصادية واجتماعية ومجالية، تجيب عن أسئلة بسيطة لكنها جوهرية:
هل انخفضت فاتورة واردات الطاقة؟
هل استفادت المقاولات الصغرى والمتوسطة من الإنتاج الذاتي؟
هل توسعت فرص الشغل في الاقتصاد الأخضر؟
هل تقلصت الفوارق بين الجهات؟
وهل أصبح المواطن يشعر بأن الانتقال الطاقي ينعكس إيجاباً على حياته اليومية؟
إذا استطعنا أن نجيب عن هذه الأسئلة بأرقام واضحة، نكون قد انتقلنا فعلاً من سياسات معلنة إلى نتائج قابلة للقياس.
السيدات والسادة،
إننا نؤمن بأن مستقبل المغرب الطاقي لن يبنى بالاستثمار في التكنولوجيا وحدها، وإنما أيضاً بالاستثمار في الثقة، وفي المعرفة، وفي المشاركة، وفي الحكامة الجيدة.
كما نؤمن بأن السيادة الطاقية ليست هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة لبناء اقتصاد أكثر تنافسية، ومجتمع أكثر عدالة، وتنمية أكثر استدامة.
لهذا، و ببساطة نقول:
لقد حان الوقت للانتقال من الحديث عن الانتقال الطاقي إلى صناعة أثره.
من مشاريع كبرى إلى فوائد يومية.
من أهداف بعيدة إلى نتائج ملموسة.
من أرقام وإحصائيات إلى تحسين حياة المواطنات والمواطنين.
هذا هو التحدي الحقيقي.
وهذه هي المسؤولية المشتركة التي تجمعنا اليوم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته